بين حدود الشبهة وتوصيف الجناية، ينقسم القضاء في بيروت حول قضية الشيخ خلدون عريمط، قرارٌ اتهامي خرجت أكثريته لتطويع النصوص وتوسيع الاتهام، في مقابل رأيٍ مخالف لرئيس الهيئة الاتهامية هدم المتن القانوني للقرار، ليعيد فتح النقاش حول معايير الأدلة الجنائية وحدود الدستور.
لم يكن قرار الهيئة الاتهامية في بيروت الصادر في التاسع عشر من أيار موحداً؛ بل حمل انقساماً يعكس هشاشة البنية الارتكازية للملف.
ففي وقت أدانت فيه الأكثرية عريمط بجنايتي تعكير صلات لبنان بدولة أجنبية والشهادة الكاذبة، فجّر رئيس الهيئة القاضي كمال نصار مفاجأة مدوية برأي مخالف، جرّد فيه الاتهامات من أهليتها القانونية، معلناً أن الأوراق بين يديه لا تنهض اتهامياً لمستوى الجناية.
في الجناية الأولى المتعلقة بتعكير العلاقات مع الرياض، اصطدمت فرضية الأكثرية القائمة على 'الخطر المحتمل' بأسئلة القاضي نصار الجوهرية: أين الشكوى السعودية؟ وأين الاحتجاج الدبلوماسي؟ الملف خلا تماماً من أي مستند رسمي يثبت توتر العلاقات الدبلوماسية المستمرة طبيعياً، ما أسقط الركن المادي للجريمة.
أما جناية الشهادة الكاذبة، فقد هدمها رأي رئيس الهيئة استناداً لاجتهاد تمييزي يوضح أن الإفادة أمام الضابطة العدلية لا تُعد شهادة أمام سلطة قضائية، مجدداً التمسك بمبدأ تفسير الشك لمصلحة المدعى عليه.
في عمق القضية، يربض لغز شخصية 'أبو عمر' المنسوبة زوراً للديوان الملكي السعودي.
التناقضات هنا تضرب الرواية التأسيسية للملف؛ فبين ادعاءات 'مصطفى حسيان' بتوجيهه سياسياً، وتأكيدات عريمط بالتعامل بحسن نية، وانقلاب إفادة 'خالد السبسبي'؛ لجأ القرار لسد الثغرات عبر توسيع تحليل التقاطعات الهاتفية كقرينة على الاشتراك.
استنتاجٌ تراه الأوساط القانونية مجازفة بالملفات الجزائية، خاصة في ظل غياب أي تسجيل جرمي، أو وثيقة تخطيط، أو تحويلات مالية حاسمة تبرهن الاشتراك اليقيني، حيث تحولت الاستنتاجات المتراكبة من اتصال ومعرفة.. إلى إدانة بالتحريض.
في المحصلة، تتجاوز القضيةُ شخصَ الشيخ عريمط لتلامس المادتين الثامنة والـعشرين من الدستور اللبناني اللتين تضمنان الحرية الفردية والمحاكمة العادلة. إن التوسع في التفسير العقابي هنا قد يبدو كأنه سبق الدليل نفسه؛ لتخلص الأوساط إلى أن أخطر ما في هذا الملف، ليس فقط ما سُطّر ضّد خلدون عريمط، بل ما كُتب داخل القرار نفسه دفاعاً عنه.
#redtvlebanon
شارك