على طاولةِ المفاوضاتِ في سويسرا، لم يكنْ الملفُ النوويُّ أو العقوباتُ هما العنوانَ الوحيد؛ بل برزَ لبنانُ كبندٍ أساسيٍّ على جدول الاعمال الايراني الاميركي. هناك تحول لبنان إلى ملفٍ تفاوضيٍّ يُرسمُ مصيرُه في الغرفِ المغلقة، وسطَ تساؤلاتٍ كبرى عن دورِ الدولةِ الغائبِ عن مشهدِ تقريرِ مصيرِها.
إنشاء "خليةِ منعِ تصعيد" خاصة بلبنان؛ تضمُّ القوى الكبرى وبرعايةٍ إقليمية، قُدمت كإطارٍ تقنيٍّ لحفظِ الاستقرار، وهي فكرة تخفي وراءها واقعاً سياسياً أكثرَ تعقيداً: فإيرانُ تربطُ استمرارَ المفاوضاتِ بالانسحابِ الإسرائيلي، وإسرائيلُ تتمسكُ بـ"منطقةٍ أمنية"، بينما تقفُ الدولةُ اللبنانيةُ في موقعِ المتفرج، وسطَ صمتٍ رسميٍّ يثيرُ الكثيرَ من الريبة.
والسؤالُ الذي يفرضُ نفسَه في الأوساطِ السياسية: بأيِّ صفةٍ تُفاوضُ طهرانُ باسمِ السيادةِ اللبنانية؟
وإلى أيِّ مدى تعدُّ واشنطن لبنانَ ورقةً في سياقِ تفاهماتِها مع طهران، بينما تُنادي علناً باحترامِ استقلالِ بيروت؟ إن التناقضَ بين الشعاراتِ الديبلوماسيةِ والواقعِ التفاوضيِّ باتَ يشي بأنَّ السيادةَ تحولت إلى شعارٍ هشٍّ أمامَ مصالحِ الكبار.
الخطرُ لا يتوقفُ عند حدودِ المفاوضاتِ السويسرية، بل يمتدُّ إلى التساؤلِ عن جدوى المساراتِ الأخرى؛ فالمفاوضاتُ اللبنانيةُ-الإسرائيليةُ في واشنطن، تبدو اليومَ كوجهٍ آخرَ للعملةِ ذاتِها، ومجردَ مسارٍ تنفيذيٍّ لترتيباتٍ أُعدت سلفاً في أروقةِ التسوياتِ الإقليمية. ومع غيابِ الموقفِ الرسميِّ اللبناني، تبدو الصورةُ ضبابيةً لبلدٍ يُعاملُ كملفٍّ موضوعٍ على الطاولة، لا كدولةٍ صاحبةِ قرار.
في المحصلة، قد تنجحُ "خليةُ منعِ التصعيد" في لجمِ المدافعِ وتأجيلِ الانفجارِ الكبير، لكنَّ النجاحَ في الميدانِ لن يغطيَ على أزمةِ "الهويةِ السياسية" التي يعيشُها لبنان. فالدولةُ التي يُرسمُ أمنُها وحدودُها في عواصمِ الآخرين، تظلُّ أسيرةَ تسوياتِهم، ليبقى السؤالُ الجوهريُّ معلقاً: هل نحن أمامَ "هدنةٍ تقنيةٍ" لإنقاذِ الحدود، أم أمامَ "انتقاصٍ بنيويٍّ" لسيادةِ الدولةِ التي باتت، وللأسف، غائبةً عن طاولةِ صنعِ قرارِها الوطني؟
شارك