تُثيرُ الحملاتُ الإعلاميةُ أحياناً تساؤلاتٍ جوهريةً حول الحدودِ الفاصلةِ بين "الاستقصاء المهني" وبين "الانتقائية" في عرضِ الحقائق. وفي ملفِ شراءِ عقارٍ في منطقة "المدور" من قبل "بنك بيروت"، برزت فجوةٌ كبيرةٌ بين ما يتمُّ تداوله عبر منصاتِ الإعلام، وما تؤكده المستنداتُ والقراراتُ القضائية. فهل نحن أمام قضيةِ فسادٍ مُثبتة، أم أمام نزاعٍ قانونيٍ وفنيٍ أُخرجَ عن سياقه؟
فقد تصدّرَ اسمُ رئيسِ مجلسِ إدارة "بنك بيروت" سليم صفير العناوينَ في حملةٍ إعلاميةٍ واسعة، اتهمته بالاستيلاءِ على أرضٍ عامة، استناداً إلى قرارٍ صادرٍ عن ديوان المحاسبة انتقد آليةَ البيعِ بالتراضي. لكن، في عالمِ القانون، تكمنُ التفاصيلُ في الأحكامِ النهائية، لا في العناوينِ الصادمة.
فعمليةُ البيعِ لم تكن قراراً منفرداً؛ بل مرّت بسلسلةٍ طويلةٍ من الموافقاتِ الرسمية، بدءاً من الدوائرِ الفنيةِ في بلدية بيروت، مروراً بالمجلسِ البلدي والمحافظ، وصولاً إلى لجنةِ التخمينِ في وزارة المالية.
تستندُ قانونيةُ هذه الصفقةِ إلى مسارٍ مؤسساتيٍ متكامل؛ إذ لا يعدُّ تفسيرُ المادةِ 80 من القرار 275 لعام 1926 –التي تجيز بيع "المسالك الملغاة" بالتراضي– اجتهاداً من المصرف، بل توجهاً أكدته "هيئة التشريع والاستشارات" بوزارة العدل، وحظي بموافقةٍ مسبقةٍ من ديوان المحاسبة عام 2017.
هذا التوافقُ الإداريُّ توّجه "مجلس شورى الدولة" في 19 شباط 2026، بحكمٍ قضائيٍ نهائيٍ حسم الجدل، مؤكداً سلامةَ الإجراءات، مما يضفي على العمليةِ صفتها القطعيةَ بعيداً عن التأويلات.
أما تأسيسُ شركاتٍ خاصة، فيوضحُ المصرفُ أنه إجراءٌ قانونيٌ لهدفٍ هندسيٍ لتوحيدِ المقرِ الرئيسي.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهلُ الاعتراضاتِ التي أبداها مسؤولون في "مصلحة سكك الحديد"؛ لكن هذه الاعتراضات -رغم أهميتها- لم تتحول إلى حكمٍ قضائيٍ يُبطل العقدَ أو يلغي الملكية.
في دولةِ القانون، لا تُبنى العدالةُ على العناوين، ولا يُدانُ الأشخاصُ لأن الروايةَ الإعلاميةَ استبقت القضاء. وحتى هذه اللحظة، لا يوجد حكمٌ قضائيٌ واحدٌ يُدين سليم صفير أو يُبطل عقدَ البيع، فالحقيقةُ لا تتجزأ.
#redtvlebanon
شارك