في أيار عام 1991 في دمشق، جلس رئيس الجمهورية اللبناني إلياس الهراوي في القصر الرئاسي مقابل الرئيس السوري حافظ الأسد، وهناك وُلد "المجلس الأعلى اللبناني - السوري" بموجب معاهدة "الأخوّة والتنسيق" التي لم تكن سوى آلية لتكريس حكم دمشق لبيروت.
أما في تموز عام 2026، وداخل السراي الحكومي في بيروت، وقع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني اتفاقية إنشاء "اللجنة العليا المشتركة"، ليعلنا رسمياً انتهاء زمن الإملاءات الفوقية وحلول زمن التنسيق.
وبعد خمسة وثلاثين عاماً، التغيير لم يقف عند حدود الشكل بل نسف المضمون أيضاً، حيث طُويت السياسات الاستراتيجية المفخخة لحساب ملفات حيوية وتنفيذية تركز على أمن الحدود ومكافحة التهريب وأزمة النازحين.
وحتى تراتبية الرئاسة سقطت فيها الفوارق الميدانية السابقة والتي كانت تميل لصالح دمشق، لتُدار اللجنة اليوم برئاسة رئيس الحكومة اللبنانية مقابل وزير الخارجية السوري، وينتقل التنسيق إلى مستوى قطاعي مباشر بين الوزارات.
والأهم من هذا كله، هو تبدل المصطلحات؛ إذ انتهى زمن "العلاقات الخاصة" التي شرعنت التدخل الأمني، وحلّت مكانها مفاهيم السيادة والمساواة وعدم التدخل، وهي مفردات كانت تصنف في الماضي القريب ضمن المحرمات السياسية.
وهنا يبرز التذاكي اللبناني - السوري في الإجابة على السؤال التالي: هل أُلغي المجلس القديم؟
فمنذ خروج الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005، والدعوات السياسية لا تتوقف لإلغائه وحصر العلاقات عبر السفارتين.
قانونياً ودبلوماسياً، تجنبت الاتفاقية النص الصريح على إلغائه تفادياً لمسارات دستورية معقدة بين البلدين في هذا التوقيت الحرج.
لكن واقعياً، الضربة القاضية وُجهت بالفعل؛ وهذا الموت السريري للمجلس الذي بدأت ملامحه بتجميد أعماله وموازنته منذ عام 2020، وتُرجم بقرار سياسي في تشرين الأول من عام 2025 قضى بتعليق عمله رسمياً، وهو الملف الذي حُسم في خلال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع.
لذلك، جاءت تسمية اللجنة الجديدة بـ "الإطار المؤسسي الأعلى" للعلاقات الثنائية لتجرّد المجلس القديم من كافة صلاحياته عملياً، وتتركه في غيبوبة سياسية مطلقة.
شارك