لم يبدأ الخيط الأول بشكوى... ولا باعتراف... ولا حتى بمداهمة.
كل ما في الأمر أن هاتف موقوف بجرم مخدرات فتح بابًا لم يكن أحد يتوقع أن يقود إلى قلب قصر عدل بعبدا. وبدأت تتكشف شبكة من الأسماء، قبل أن تنتهي إلى الإيحاء بالقدرة على تأمين إخلاءات سبيل لموقوفين.
وظنت قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان ندى الأسمر في 21 تموز بعاملة التنظيفات غ. م. وعدد من الأشخاص بجرائم صرف النفوذ والاحتيال وانتحال الصفات والسمسرة غير المشروعة وممارسة أعمال تدخل ضمن المهن المنظمة قانونًا، إضافة إلى نشر وثائق قضائية سرية، فيما منعت المحاكمة عن الجميع بجرم تبييض الأموال لعدم توافر أركانه القانونية.
وبحسب القرار، استغلت غ. م. سنوات عملها الطويلة داخل العدلية لتقديم نفسها كقادرة على فتح الأبواب المغلقة، فكانت تتقاضى الأموال في مقابل تقديم طلبات إخلاء السبيل، والحصول على أذونات لمقابلة السجناء، وتأمين وثائق وقرارات قضائية.
وكشف هاتفها رسائل صوتية وصورًا لقرارات ظنية وأحكام ومستندات ذات صلة. وأظهرت التحقيقات أن اسمها كان يتداول بين الموقوفين في سجن رومية، وأن ذويهم كانوا يحولون إليها الأموال بعد وعود بإخلاءات سبيل أو تسريع معاملات، لقاء مبلغ يراوح بين خمسين ومئة وخمسين دولارًا.
لكن المفاجأة الأكبر ظهرت بعد توقيفها. هي بعثت من السجن رسالة إلى ابنها تطلب فيها إخفاء مستندات موجودة في منزلها. وعند التفتيش، ضُبطت دفاتر أذونات مواجهة، ونموذج طلب كف بحث، وسجل يضم أرقام دعاوى قضائية. وتبين أنها كانت تحتفظ بمفاتيح عدد من مكاتب القضاة، وأن هذه المفاتيح سُلّمت إلى النيابة العامة بعد توقيفها.
وامتد الملف إلى مخلصي معاملات وكتّاب شكاوى وأشخاص يعملون في محيط العدلية، اعتبر القرار أنهم شاركوا في تقاضي الأموال والإيحاء بالقدرة على التأثير في القضاء، قبل أن تحيل القاضية الأسمر جميع من ظنت بهم إلى القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا، في قضية تطرح أسئلة ثقيلة عن الرقابة داخل قصر عدل بعبدا.
شارك