على مرأى من العلم اللبناني في زوطر الغربية، سقطت مؤسسات الدولة في زوطر الشرقية.
مبنى البلدية، المدرسة الرسمية، المستوصف.. ثلاث ركائز للسيادة، حولتها غارة إسرائيلية إلى ركام في لحظات.
لا التوقيت صدفة، ولا المكان عشوائيا.
فالاستهداف وقع قبالة إحدى "المناطق التجريبية" الثلاث، النموذج الذي أرادت بيروت أن تقدمه للعالم كدليل على استعادة الجنوب.
المعادلة كانت واضحة: تنسحب إسرائيل، ينتشر الجيش وحده، يُعالج السلاح غير الشرعي، يبدأ الإعمار، ويعود الأهالي تحت سلطة الدولة الحصرية.
لكن ما يجري على الأرض ينسف المعادلة قبل أن تكتمل. إسرائيل التي تربط انسحابها بتقدم الجيش، هي نفسها من يقطع الطريق أمام تقدمه. قصف لا يتوقف، هدم يتواصل في القرى الحدودية، وضغط ناري يتمدد من تلة علي الطاهر والدبشة ودوحة كفررمان إلى محيط النبطية الفوقا.
الدولة أرادت أن تكون مرئية. لهذا أسندت للجيش مهمة إصلاح الطرق والبنية التحتية بنفسه، وأبعدت مجلس الجنوب عن إدارة الإعمار، برسالة سياسية مباشرة: عودوا إلى مؤسسات بيروت، لا إلى حزب الله وحركة أمل.
لكن الجنوبي الذي يرى الجيش يمهد طريقا في الصباح، ثم يشاهد مدرسة أطفاله تُفجر في المساء، سيسأل: أي حماية وفرت لي هذه المعادلة؟
هنا بالضبط، يولد مأزق الطرفين. استمرار العمليات يمنح حزب الله حجته الذهبية: الدولة موجودة لكنها عاجزة. وفي المقابل، وجود سلاح الحزب نفسه بات الذريعة التي تستخدمها إسرائيل لتبرير بقائها وتدميرها.
بين عجز الدولة وكلفة السلاح، يبقى الجنوبي عالقا بلا عودة آمنة.
وهذا ما يجعل محادثات قائد الجيش رودولف هيكل في روما مصيرية. لم يعد النقاش حول توسيع "المناطق التجريبية"، بل حول شروط بقائها: انسحاب إسرائيلي واضح، وقف للغارات، وضمانات دولية، ودعم يوازي حجم المهمة.
لأن الجيش يدرك أنه لا يستطيع تنفيذ قرار سياسي لم تتوفر شروطه على الأرض.
فإذا انهارت التجربة في زوطر، فلن يكون الفشل تقنيا.. بل سيكون سقوطا لمشروع استعادة الجنوب عبر الدولة، والمستفيد الأول منه، سيكون حزب الله.
شارك